مرحبا بكم بوابة مصر الزراعية
بوابة مصر الزراعية

كيف يعود زيت القلي المستعمل إلى الموائد مرة أخري؟

f 𝕏 in
المهندس ياسين حمدي

ماذا تفعلين بهذه الزيوت؟ سأل الدكتور هشام عمرو زوجته وهو يراها تجمع زيوت القلي المستعملة في جراكن لتسليمها لأحد جامعي الزيوت.

 

أجابته: سمعت أن بعض الناس يصفونها باستخدام كرات من الدقيق والنشا لتعود فاتحة اللون، ثم يعيدون استخدامها أو بيعها.

 

الدكتور هشام محذرًا: هذه واحدة من أخطر المفاهيم الخاطئة. فالدقيق والنشا قد يساعدان في ترسيب بعض الشوائب وتحسين لون الزيت ظاهريًا، لكنهما لا يزيلان المركبات الضارة والمواد الناتجة عن التسخين المتكرر. يبقى الزيت محتفظًا بمكوناته المتحللة وملوثاته الكيميائية مهما بدا أنظف أو أكثر صفاءً.
هذا الحوار يفتح الباب للحديث عن ظاهرة خطيرة تتمثل في جمع زيوت الطعام المستعملة وإعادة تداولها بطرق غير آمنة، لتعود أحيانًا إلى الأسواق على أنها زيوت صالحة للاستهلاك، رغم ما قد تحمله من مخاطر صحية جسيمة تهدد المستهلكين.

 

تجارة مربحة.. وخطر يتسلل إلى البيوت

 

في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الزيوت الغذائية، نشطت تجارة جمع زيوت الطعام المستعملة من المطاعم والمنازل. فبينما يفترض أن تتجه هذه الزيوت إلى الاستخدامات الصناعية غير الغذائية، مثل صناعة الصابون أو الوقود الحيوي، تتسرب كميات منها إلى ورش عشوائية تقوم بإعادة تكريرها وطرحها مجددًا في الأسواق.

 

ويكشف أصحاب مطاعم أن بعض الوسطاء يشترون الزيت المستهلك بأسعار زهيدة، ثم ينقلونه إلى أماكن غير مرخصة حيث تتم تصفيته بوسائل بدائية وإعادة تعبئته في جراكن مجهولة المصدر، قبل بيعه في الأسواق الشعبية بأسعار تقل كثيرًا عن أسعار الزيوت المعبأة والمعتمدة.

 

ويقول أحد الباعة، رافضًا الكشف عن هويته: الكثير من المشترين يبحثون عن السعر الأرخص، ولا يسألون عن مصدر الزيت أو كيفية إنتاجه.

 

رحلة الزيت بعد القلي.. ماذا يحدث داخله؟

 

عند تعريض الزيت لدرجات حرارة مرتفعة مرات متكررة، تحدث تغيرات كيميائية معقدة تؤدي إلى تحلله وتكوّن مركبات ضارة. ومع استمرار التسخين، تتراكم نواتج الأكسدة والمواد الناتجة عن التحلل الحراري، ما يفقد الزيت خصائصه الطبيعية ويحوله إلى منتج مختلف تمامًا عن الزيت الأصلي.
المشكلة لا تتوقف عند إعادة استخدام الزيت في المنزل أو المطعم عدة مرات فقط، بل تتفاقم عندما يُجمع ويُعاد تكريره بطرق غير علمية ثم يُطرح مرة أخرى للاستهلاك البشري.

 

قنبلة صحية موقوتة

 

أن الزيوت التي تعرضت للتسخين المتكرر تنتج مركبات ضارة قد ترفع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والكبد وتصلب الشرايين، كما أن تكرار استخدامها يزيد من تركيز تلك المركبات، ما يجعلها تهديدًا صحيًا حتى عند استهلاكها بكميات محدودة.
اللون المقبول أو الرائحة الطبيعية لا يعنيان بالضرورة سلامة الزيت، إذ قد تخفي عمليات المعالجة العشوائية الكثير من الأضرار التي لا يمكن للمستهلك اكتشافها بالعين المجردة.

 

إعادة تدوير زيت الطعام.. خطر على جميع أفراد الأسرة

 

الزيوت المعاد تدويرها للاستخدام الغذائي تمثل خطرًا كبيرًا على الصحة العامة، خاصة في ظل نقص الوعي لدى بعض المستهلكين وانتشار المنتجات مجهولة

المصدر.

 

والتسخين المتكرر وإعادة المعالجة ينتج عنه تكوّن دهون متحولة وجذور حرة ومركبات كيميائية ضارة تؤثر على أجهزة الجسم المختلفة وترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

 

النساء في سن الإنجاب.. الأكثر تأثرًا

 

والنساء في سن الإنجاب قد يكنّ من أكثر الفئات تأثرًا بهذه الزيوت، نظرًا لما قد تسببه من اضطرابات في التوازن الهرموني وتأثيرات سلبية على الصحة الإنجابية، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على الصحة العامة للمرأة.

 

الحوامل والأجنة.. مخاطر مضاعفة

 

أما خلال فترة الحمل، فتزداد الحساسية تجاه أي مصادر غذائية غير آمنة. والتعرض المستمر للمركبات الضارة الناتجة عن الزيوت المتدهورة قد يؤثر سلبًا على صحة الأم والجنين، ويزيد من الأعباء الصحية خلال هذه المرحلة الدقيقة.

 

الأطفال وكبار السن.. الفئات الأضعف

 

ولا تتوقف المخاطر عند ذلك؛ فالأطفال أكثر عرضة للتأثر بالمواد الضارة نتيجة صغر أجسامهم وعدم اكتمال بعض وظائفهم الحيوية، بينما يعاني كبار السن بالفعل من أمراض مزمنة تجعلهم أكثر حساسية تجاه أي ملوثات غذائية أو مركبات سامة.

 

أما مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والكبد، فإن تعرضهم المستمر لهذه الزيوت قد يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات صحية تؤثر على جودة حياتهم.

 

أين يجب أن تذهب هذه الزيوت؟

 

 والزيوت القلي المستعملة ليست نفايات عديمة القيمة، بل يمكن الاستفادة منها بصورة آمنة في صناعات غير غذائية، مثل إنتاج الوقود الحيوي والصابون وبعض التطبيقات الصناعية الأخرى. لكن الخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه هو إعادتها إلى السلسلة الغذائية بأي شكل من الأشكال.

 

حملات رقابية ومواجهة مستمرة

 

وفي إطار مكافحة هذه الظاهرة، تكثف الأجهزة الرقابية حملاتها على الأسواق والمصانع غير المرخصة التي تتاجر بالزيوت مجهولة المصدر، مع اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين ومصادرة المنتجات المضبوطة.

 

كما تدعو الجهات المعنية المواطنين إلى شراء الزيوت من الشركات المعروفة والمنافذ الموثوقة، وعدم الانسياق وراء العروض والأسعار المغرية التي قد تخفي وراءها مخاطر صحية جسيمة.

 

المستهلك.. خط الدفاع الأول

 

ورغم أهمية الرقابة والتشريعات، يبقى وعي المستهلك هو السلاح الأقوى في مواجهة هذه التجارة الخطرة. فكل جنيه يتم توفيره بشراء زيت مجهول المصدر قد يكون ثمنه خسارة أكبر تتعلق بالصحة وسلامة الأسرة.

 

لذلك فإن الرسالة الأساسية من هذه القضية واضحة: زيوت القلي المستعملة يجب أن تذهب إلى الاستخدامات الصناعية الآمنة فقط، أما عودتها إلى موائد الناس بعد إعادة تدويرها بطرق غير مشروعة، فهي جريمة صحية تستوجب الحزم في المواجهة والوعي في الاختيار.

 

مقال

م/ ياسين حمدي
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية. 

 

اقرأ أيضا 

رئيس مركز البحوث يستعرض أمام نواب الشيوخ أهمية صناعة زيت الزيتون