طور باحثون مصريون وحدة متنقلة لمعالجة مياه الصرف الزراعي بتقنيات بسيطة تعتمد على استخدام الرمل والحصى والكربون المنشط والبنتونيت لإعادة استخدامها بأمان في الري.
تأتي هذه الوحدة في ضوء تزايد الضغوط على الموارد المائية وارتفاع الحاجة إلى تعظيم الاستفادة من كل مصدر متاح للمياه، وعلى رأسها إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي وتحويلها لمياه يمكن إعادة استخدامها بأمان في ري المحاصيل، بتقنية بسيطة ومنخفضة التكلفة وقابلة للتطبيق في المناطق الزراعية.
أشرف على الدراسة البحثية المصرية د. محمد عبدالسلام عاشور، أستاذ هندسة الري والمنشآت المائية بكلية الهندسة بجامعة أسيوط، وأ.د.م. طواب علي، الأستاذ المساعد بقسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة – جامعة أسيوط، وشارك في تنفيذها د. أحمد السيد علي حسن، الباحث بالمركز القومي لبحوث المياه، ضمن عمله البحثي بمعهد بحوث التغيرات المناخية التابع للمركز.

نُشرت نتائج الدراسة دوليًا تحت عنوان:
New Technique for Preparing and Reusing Agricultural Drainage Water Safely in Irrigation
في دورية Limnological Review عام 2020، بالمجلد 20، العدد 3، الصفحات 123–133.
فكرة الدراسة البحثية
ودارت فكرة الدراسة البحثية، حول إمكانية إنشاء وحدة معالجة صغيرة ومتنقلة، تعتمد على مواد متاحة وغير مكلفة، بحيث يستطيع المزارع استخدامها محليًا لمعالجة مياه الصرف الزراعي القريبة من أرضه وإعادة استخدامها في الري؟
مكونات وحدة معالجة مياه الصرف الزراعي
الأمر الذي استدعى قيام فريق البحث بتصميم وحدة معالجة تتكون من ثلاث وحدات أسطوانية للترشيح متصلة على التوالي، بحيث تمر مياه الصرف الزراعي من خلالها بعد خلطها بجرعة محسوبة من معدن البنتونيت.
واعتمدت كل وحدة على طبقات من الحصى والرمل والكربون المنشط؛ بارتفاع 20 سم للحصى، و30 سم للرمل، و40 سم للكربون المنشط، بإجمالي 90 سم من مواد المعالجة داخل كل وحدة، مع إضافة البنتونيت بجرعات مختلفة لاختبار قدرته على إزالة العناصر الثقيلة من المياه.
أين أجريت التجارب؟
وأجريت التجارب باستخدام مياه صرف زراعي خام مأخوذة من مصرف الرهاوي بمحافظة القاهرة، وهو مصدر كان يمثل نموذجًا واقعيًا للمياه التي قد يلجأ إليها بعض المزارعين في المناطق التي تعاني من نقص مياه الري أو عدم وصول المياه إلى نهايات بعض الترع.
وأجرت الدراسة تقييما لمجموعة واسعة من الخصائص الفيزيائية والكيميائية، إلى جانب عدد من العناصر الثقيلة، ومقارنة النتائج بالحدود المسموح بها طبقًا للتشريعات المصرية الخاصة بإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة.
وأظهرت النتائج تحسنًا واضحًا في جودة المياه بعد مرورها عبر منظومة المعالجة.
فعلى سبيل المثال، انخفضت قيمة العكارة في إحدى التجارب من 97 إلى 27 وحدة تقريبًا بعد المعالجة، كما انخفض الطلب الحيوي على الأكسجين BOD من 146 إلى 32، وانخفض الطلب الكيميائي على الأكسجين COD من 270 إلى 55، عند استخدام النظام والجرعة المثلى من البنتونيت وبعد أربعة أيام من التشغيل المستمر. كما انخفضت المواد الصلبة الذائبة الكلية TDS من 1737 إلى 1018 ملجم/لتر في التجربة المقابلة.
وكان أحد أهم جوانب الدراسة هو التعامل مع العناصر الثقيلة، إذ أظهرت النتائج قدرة البنتونيت على تحسين إزالة عدد من هذه العناصر. فعلى سبيل المثال، انخفض النيكل من نحو 0.123 إلى 0.020 ملجم/لتر، والرصاص من نحو 0.328 إلى 0.162 ملجم/لتر، والمنجنيز من نحو 0.387 إلى 0.089 ملجم/لتر، والزنك من نحو 0.225 إلى 0.094 ملجم/لتر في المياه المعالجة باستخدام النظام والجرعة المثلى.
أدوار مكونات وحدة مياه الصرف الزراعي
وأوضحت الدراسة أن لكل مادة دورًا مختلفًا داخل المنظومة؛ فـالرمل كان فعالًا في خفض العكارة وإزالة المواد العالقة، بينما ساهم الكربون المنشط بصورة رئيسية في تحسين بعض الخصائص الفيزيائية للمياه واللون والرائحة، في حين أظهر البنتونيت كفاءة مهمة في امتزاز العناصر الثقيلة.
واللافت أن الباحثين لم يكتفوا بإثبات الكفاءة الفنية للوحدة، وإنما بحثوا أيضًا في الجانب الاقتصادي، وهو ما يمثل عنصرًا مهمًا عند التفكير في تحويل الفكرة من تجربة بحثية إلى تطبيق زراعي.
فقد تراوح معدل التصرف في الوحدة بين 80 و100 لتر في الساعة، وقدرت الدراسة أن الوحدة يمكنها إنتاج نحو 700 متر مكعب من المياه المعالجة سنويًا في ظروف التشغيل المفترضة. وبالاعتماد على أسعار المواد والتصنيع في مصر خلال السنة المالية 2019/2020، قُدرت تكلفة معالجة المتر المكعب بنحو 0.92 جنيه مصري، أي نحو 0.06 دولار أمريكي عند استخدام جرعة البنتونيت المثلى البالغة 0.5 جم/لتر.
وتزداد أهمية الرقم عند وضعه في سياقه الزمني؛ فهذه تكلفة مقدرة وفق أسعار مصر في السنة المالية 2019/2020، وليست تكلفة حالية، وهو ما ينبغي مراعاته عند تقييم الجدوى الاقتصادية للتقنية اليوم.
وأظهرت الدراسة أن زيادة جرعة البنتونيت من 0.5 إلى 2.5 جم/لتر أدت إلى تحسن إضافي محدود نسبيًا في كفاءة الإزالة، بينما رفعت تكلفة المعالجة بصورة ملحوظة؛ ولذلك خلص الباحثون إلى أن الجرعة الأقل تحقق توازنًا أفضل بين كفاءة المعالجة والتكلفة الاقتصادية.
مكونات الوحدة المقترحة لمعالجة مياه الصرف الزراعي
واقترحت الدراسة نظامًا مكونًا من ثلاث وحدات ترشيح، تحتوي كل منها على 20 سم من الحصى، و30 سم من الرمل، و40 سم من الكربون المنشط، مع استخدام البنتونيت بجرعة 0.5 جم/لتر، وخلصت إلى أن النظام المقترح استطاع تحسين خصائص مياه الصرف الزراعي والوصول بها إلى مستويات متوافقة مع المتطلبات المصرية المشار إليها في الدراسة لإعادة الاستخدام الزراعي.
وتفتح هذه الدراسة الباب أمام تطوير وحدات صغيرة ومتنقلة لمعالجة مياه الصرف الزراعي يمكن استخدامها بالقرب من مواقع الاحتياج الفعلي للمياه، بدل الاعتماد دائمًا على محطات معالجة مركزية كبيرة.
وتبقى القيمة الأهم للتجربة في أنها حاولت الجمع بين ثلاثة عناصر في حل واحد المعالجة الفعالة، والبساطة في التصميم، وانخفاض التكلفة؛ وهي عناصر تجعل الفكرة جديرة بمزيد من التطوير والاختبار، خصوصًا مع اختلاف خصائص مياه الصرف الزراعي من منطقة إلى أخرى.
وقد نُشرت الدراسة دوليًا باسم Mohamed A. Ashour، Tawab E. Aly، Ahmed E. Hasan، وتوثق قواعد البيانات الزراعية الدولية بيانات النشر باعتبارها دراسة منشورة عام 2020 في Limnological Review، المجلد 20، العدد 3، الصفحات 123–133.
وهكذا لم تكن الفكرة مجرد محاولة لتنقية مياه ملوثة، بل كانت بحثًا عن طريقة عملية لتحويل مصدر مائي مهدر أو غير آمن إلى مورد يمكن الاستفادة منه زراعيًا، باستخدام مواد بسيطة وتقنية يمكن تطويرها مستقبلًا لتناسب احتياجات المزارعين ومختلف نظم الري.
اقرأ أيضا
إشادة عراقية بالتجربة المصرية في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي
أساليب الري الحديث.. كفاءة واستدامة باستخدام الطاقة الشمسية
للمزبد.. يمكنكم متابعة صفحة بوابة مصر الزراعية عبر الفيس بوك.