في الوقت الذي أصبحت فيه كفاءة استخدام المياه أحد أهم التحديات أمام الزراعة المصرية، تبرز الحاجة إلى حلول لا تكتفي بتوفير مياه الري، وإنما تحقق المعادلة الأصعب: مياه أقل.. وإنتاج أكبر.. وعائد اقتصادي أفضل.
ومن هذا المنطلق جاءت دراسة حقلية أجريت في صعيد مصر حول إمكانية استبدال الري بالغمر التقليدي لمحصول قصب السكر بالري بالتنقيط، ضمن رسالة الدكتوراه للباحث د. أحمد السيد علي حسن، الباحث بمعهد بحوث إدارة المياه – المركز القومي لبحوث المياه ، والتي نوقشت في 20 أبريل 2026 بعنوان: «دراسة حقلية حول استبدال الري بالغمر التقليدي لمحصول قصب السكر في صعيد مصر بتقنية الري بالتنقيط».

ولم تعتمد الدراسة على تجربة واحدة أو مقارنة مباشرة بين طريقتي الري، وإنما صُممت بصورة حقلية متكاملة من خلال 27 مكررًا تجريبيًا، جرى خلالها اختبار مجموعة من المتغيرات المؤثرة في إنتاجية قصب السكر وكفاءة استخدام المياه.
وشملت التجارب دراسة تأثير المسافة بين خطوط الري عند 1 متر و1.2 متر و1.5 متر، إلى جانب المسافة بين النقاطات عند 30 سم و50 سم، كما تمت مقارنة طرق الزراعة بالعُقَل والشتلات، مع دراسة تأثير موعد الزراعة في أواخر مارس وأواخر مايو، إلى جانب المقارنة بين الري بالغمر والري بالتنقيط.
وبذلك لم يكن السؤال الذي طرحته الدراسة مجرد: «هل يوفر التنقيط المياه؟»، وإنما كان أكثر شمولًا: ما أفضل تركيبة من نظام الري وطريقة الزراعة ومواعيدها ومسافات خطوط ونقاطات الري التي يمكن أن تحقق أعلى استفادة ممكنة من كل قطرة مياه؟
وخلال الدراسة تم قياس وتحليل مجموعة واسعة من المؤشرات، شملت كميات مياه الري المستهلكة، وإنتاجية المحصول، وكميات المياه التي تم توفيرها، وكفاءة إنتاج المحصول لوحدة المياه، ومحتوى السكروز، وكمية السكر المنتجة، وكفاءة إنتاج السكر من وحدة المياه، إلى جانب تقييم الجانب الاقتصادي.
مزايا الري بالتنقيط في قصب السكر
وأظهرت النتائج المنشورة دوليًا مدى أهمية هذا الاتجاه؛ فقد بينت الدراسة الحقلية التي امتدت لثلاثة مواسم أن استخدام الري بالتنقيط أدى إلى زيادة كفاءة استخدام المياه بنحو 44%، وزيادة إنتاجية قصب السكر بنحو 22%، وزيادة صافي العائد الاقتصادي بنحو 50% مقارنة بالري بالغمر التقليدي.
ولم تتوقف النتائج عند كمية المحصول، بل امتدت إلى ما هو أكثر أهمية بالنسبة لصناعة السكر، وهو إنتاج السكر نفسه وكفاءة إنتاجه من المياه.
ففي الدراسة المنشورة الأخرى، ارتفع محتوى السكروز إلى نحو 14.3% مع الري بالتنقيط مقارنة بنحو 11.8% مع الري بالغمر.
ووصلت إنتاجية السكر في أفضل المعاملات إلى نحو 9,895.6 كجم/فدان، مقابل نحو 5,351.9 كجم/فدان، بينما بلغت كفاءة إنتاج السكر من وحدة المياه نحو 1.45 كجم سكر/م³ مقارنة بنحو 0.46 كجم/م³.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التحول من الري بالغمر إلى الري بالتنقيط في قصب السكر لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لتقليل كمية مياه الري، وإنما باعتباره منظومة متكاملة يمكن أن ترفع إنتاجية المياه وتحسن إنتاج السكر وتزيد العائد الاقتصادي.
وقد انعكست القيمة العلمية والتطبيقية للدراسة في نشر بحثين مرتبطين بها في دورية Applied Water Science الدولية المحكمة الصادرة عن Springer Nature.
حمل البحث الأول عنوان:
A field study on replacing traditional flood irrigation of sugarcane crop in upper Egypt with drip irrigation technique
ونُشر عام 2025 في المجلد 15، المقال 192، بينما حمل البحث الثاني عنوان:
Optimizing irrigation and planting techniques for improved water productivity and sucrose content in sugarcane under arid conditions of upper Egypt
ونُشر عام 2026 في المجلد 16، المقال 95.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة لكونها أجريت في ظروف حقلية فعلية بصعيد مصر وعلى محصول قصب السكر، وليس في ظروف معملية أو افتراضية، وهو ما يمنح نتائجها قيمة تطبيقية يمكن الاستفادة منها عند تطوير نظم الري وإدارة المياه في مناطق إنتاج القصب.
أعضاء لجنة مناقشة رسالة د. أحمد الجعفري
وقد نوقشت الرسالة أمام لجنة علمية متخصصة ضمت نخبة من أساتذة هندسة الري والهيدروليكا والمنشآت المائية، وهم:
أ.د. محمد عبد السلام عاشور – أستاذ هندسة الري والمنشآت المائية بكلية الهندسة – جامعة أسيوط، ونائب رئيس جامعة أسيوط الأسبق.
أ.د. حسام مغازي – أستاذ هندسة الري والهيدروليكا بكلية الهندسة – جامعة الإسكندرية، ووزير الموارد المائية والري الأسبق.
أ.د. إيمان العزيزي – أستاذ هندسة الري والهيدروليكا بكلية الهندسة – جامعة عين شمس، ونائب رئيس جامعة 6 أكتوبر.
د. طارق سيد أبو زيد – أستاذ مساعد هندسة الري والمنشآت المائية بكلية الهندسة – جامعة أسيوط.
أ.د. ياسر محمد علي – رئيس قسم الاستخدام الأمثل للمياه بالمركز القومي لبحوث المياه.

وفي النهاية، تقدم الدراسة رسالة واضحة تتجاوز حدود التجربة البحثية نفسها: إذا كان مستقبل الزراعة المصرية مرتبطًا بقدرتها على إنتاج المزيد باستخدام موارد مائية محدودة، فإن تطوير نظم الري في المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها قصب السكر، يمثل أحد المسارات المهمة لتحقيق هذا الهدف.
وتكشف النتائج أن السؤال لم يعد فقط «كمية المياه التي نستخدمها؟»، بل أصبح أيضًا: ماذا ننتج بكل متر مكعب من المياه؟
وهو السؤال الذي تسعى مثل هذه الدراسات التطبيقية إلى الإجابة عنه، بما يدعم توجهات الدولة نحو رفع كفاءة استخدام المياه وتحديث نظم الري وتحقيق زراعة أكثر إنتاجية واستدامة.
اقرأ أيضا
أساليب الري الحديث.. كفاءة واستدامة باستخدام الطاقة الشمسية