بين الحقل والبيت، تحمل المرأة الريفية المصرية مسؤوليات تتجاوز حدود العمل الزراعي التقليدي؛ تبدأ يومها برعاية أسرتها، ثم تنتقل إلى الأرض لتشارك في الزراعة والري والحصاد، وتواصل دورها بعد خروج المحصول من الحقل بالتعبئة والتخزين والتسويق.
وفي عيد الفلاح المصري، سلطت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» الضوء على الدور المحوري الذي تؤديه المرأة الريفية والمزارعة المصرية في إنتاج الغذاء والحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز الأمن الغذائي ودعم سبل العيش في الريف المصري.

أكثر من نصف النساء
وأظهرت دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حول النوع الاجتماعي والمياه والزراعة في مصر، أن أكثر من 50% من النساء الريفيات يشاركن بصورة غير رسمية في الأنشطة الزراعية.
وتشمل هذه المشاركة أعمالًا متعددة تبدأ من التسميد والري وإزالة الحشائش والحصاد، وتمتد إلى أنشطة ما بعد الحصاد ورعاية الحيوانات والتعبئة والتخزين والتسويق.
ولا تتوقف مساهمة المرأة عند تنفيذ الأعمال المرتبطة بالمحصول، إذ تمتد في كثير من الأسر الزراعية، وفقًا لظروف الأسرة والمزرعة، إلى متابعة وإدارة العمليات الزراعية، وشراء مستلزمات الإنتاج، والتعامل مع الموردين، والمشاركة في القرارات المتعلقة بالمحاصيل وتسويقها والتفاوض بشأن بيعها.
وبذلك لا تبدو المرأة مجرد يد مساعدة في المزرعة، وإنما طرفًا أساسيًا في دورة الإنتاج الزراعي واقتصاد الأسرة الريفية.

5.594 مليون عامل
وتأتي هذه الأدوار في قطاع يمثل أحد أهم مصادر العمل والدخل في مصر؛ إذ أظهرت أحدث بيانات القوى العاملة لعام 2024 أن قطاع الزراعة والصيد وفر فرص عمل لنحو 5.594 مليون شخص، بما يمثل 18.7% من إجمالي المشتغلين.
ويعكس الرقم استمرار الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للزراعة، باعتبارها مصدرًا رئيسيًا لسبل العيش في مصر، خاصة في المجتمعات الريفية.
لكن جزءًا من العمل الذي تؤديه النساء داخل الأسر الزراعية لا يظهر بصورة كاملة في إحصاءات سوق العمل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعمل الزراعي الأسري أو أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير مدفوعة الأجر.
وتؤكد «الفاو» أن مشاركة المرأة في النظم الزراعية والغذائية تتجاوز مرحلة الإنتاج لتشمل التجهيز والتجارة، إلى جانب مسؤوليات الرعاية والعمل المنزلي، وهو ما يجعل حجم مساهمتها الفعلية أكبر من الصورة التي قد تعكسها أرقام سوق العمل وحدها.
تمكينها يرفع الإنتاج
وترى منظمة الأغذية والزراعة أن الاستثمار في المرأة المزارعة لا ينعكس عليها وحدها، وإنما يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع الريفي بأكمله.
ويشمل ذلك تحسين وصول النساء إلى المعرفة والإرشاد الزراعي، والتدريب، والتمويل، ومدخلات الإنتاج، والتكنولوجيا، والأسواق والمعلومات، إلى جانب تعزيز مشاركتهن في اتخاذ القرار.
ومن شأن هذه الأدوات أن تساعد على رفع الإنتاجية وتحسين دخل الأسر وتعزيز الأمن الغذائي، فضلًا عن زيادة قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية.
السنة الدولية للمزارعات
وتكتسب قضية المرأة العاملة في الزراعة أهمية خاصة خلال عام 2026، الذي أعلنته الأمم المتحدة «السنة الدولية للمزارعات»، بهدف إبراز أدوار النساء في النظم الزراعية والغذائية، وتشجيع السياسات والاستثمارات التي تسهم في سد الفجوات وتعزيز سبل عيشهن وقيادتهن.
وفي عيد الفلاح المصري، تضع هذه المناسبة المرأة الريفية في قلب المشهد الزراعي، باعتبارها شريكًا في زراعة الأرض وإنتاج الغذاء وإدارة الموارد، وليس مجرد عنصر مساعد داخل الأسرة أو المزرعة.
فالمرأة التي تعمل في الحقل، وترعى الحيوانات، وتتابع المحصول، وتشارك في تسويقه، ثم تعود إلى مسؤوليات الأسرة والمنزل، تؤدي أدوارًا متشابكة تشكل جزءًا أساسيًا من قدرة الريف المصري على الاستمرار.
ومن ثم، فإن دعم المرأة الريفية وتمكينها لا يمثل دعمًا لفرد واحد، وإنما استثمارًا في أسرة أكثر قدرة، وزراعة أكثر استدامة، ومجتمع ريفي أكثر قوة وصمودًا.