مرحبا بكم بوابة مصر الزراعية
بوابة مصر الزراعية نبض المجتمع الزراعي
القاهرة31° مشمس
728 × 90مساحة إعلانية
بوابة مصر الزراعية

القطاع الزراعي في مواجهة ظاهرة النينيو.. سياسات التكيف وحماية صغار المزارعين

f 𝕏 in

من المُتوقع أن تبدأ مرحلة جديدة من ظاهرة النينيو خلال بضعة ايام أو أسابيع، مما يضع القطاع الزراعي في حالة تأهب قصوى حول العالم.

ويُظهر تحليل جديد صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) المناطق التي يُرجح أن يؤثر فيها الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو على المحاصيل والمراعي مما يُضاعف المخاطر التي تُهدد الأمن الغذائي وسُبل العيش المعتمدة على الزراعة لا سيما في المناطق التي تعاني أصلاً من أزمات إنسانية واقتصادية.

تتطور ظاهرة النينيو كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر عادةً لفترة تتراوح بين تسعة إلى اثني عشر شهرًا. خلال هذه الدورة قد تتسبب هذه الظاهرة في جفاف حقول الذرة والأرز على سبيل المثال في قارة ما، بينما تغمر في الوقت ذاته قارة أخرى بالأمطار والفيضانات. ولهذا السبب تؤثر رقعة دافئة من المحيط الهادئ على المحاصيل وإنتاج الثروة الحيوانية وفواتير الغذاء في المناطق البعيدة عن الساحل. وبالنسبة للعاملين فى زراعة او تجارة الغذاء فإن فهم آلية عمل هذه الظاهرة يعد ركيزة أساسية للتخطيط الإستراتيجي للمواسم الزراعية.

 

ما هي ظاهرة النينيو وكيف تتشكل؟

 

تُعرف ظاهرة “النينيو” بأنها المرحلة الدافئة من دورة مناخية طبيعية تُسمى “تذبذب النينيو الجنوبي” (ENSO) وهي دورة طبيعية تتضمن تفاعلات بين المحيط والغلاف الجوي في المحيط الهادئ الاستوائي، والتي تؤثر على دوران الغلاف الجوي وأنماط الطقس على مستوى العالم.

 

تبدأ هذه الدورة عندما ترتفع درجات الحرارة السطحية في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي إلى أعلى بكثير من المعدل الطبيعي، بسبب ضعف الرياح التجارية وتراكم المياه الدافئة تحت السطح. هذا الدفء في المحيط يغيّر أماكن تكون العواصف المطرية الاستوائية، وينتشر تأثيره عبر الغلاف الجوي ليصل إلى الأنظمة الجوية في المناطق الاستوائية وخارجها.
أصل التسمية والاكتشاف العلمي

 

يَعود أصل التسمية إلى الصيادين والبحارة في بيرو الذين لاحظوا ظهور تيار بحرى دافئ أدى إلى انخفاض حاد فى كميات صيد الأسماك، ولأن هذا التيار كان يبلغ ذروته عادةً تزامنًا مع أعياد الميلاد فقد أطلقوا عليه اسم (El Niño) وهي كلمة إسبانية تعني “الطفل الصغير” أو “الطفل المقدس”.

 

ومن الجانب العلمى وثّق عالم المناخ البريطاني السير جيلبرت توماس ووكر (Sir Gilbert Thomas Walker) هذه الظاهرة لأول مرة فى مطلع القرن العشرين وأطلق عليها اسم التذبذب الجنوبي. وأظهرت دراسات لاحقة أجراها ووكر أن تأثيرات التذبذب الجنوبي امتدت إلى ما هو أبعد من جنوب المحيط الهادئ، مع وجود أدلة إحصائية تربط بين الشذوذات المناخية حول العالم وهذا التذبذب.

 

أدرك عالم الأرصاد الجوية النرويجى جاكوب بيركنز في ستينيات القرن الماضي أن ظاهرة النينيو والتذبذب الجنوبي هما في الواقع مكونان لنظام تفاعلي كبير واحد لدوران الغلاف الجوي والمحيطات، والذي يُشار إليه الآن باسم تذبذب النينيو الجنوبي.
من الانهيار الاقتصادي إلى الوعي الشعبي

 

زاد الإهتمام بالتنبؤ بظاهرة النينيو بعد الظاهرة التى حدثت خلال عامي 1972و1973والتي تسببت في انهيار صناعة صيد أسماك الأنشوجة في بيرو التي كانت هي الأكبر في العالم آنذاك، وامتدت آثارها لتشمل الإقتصاد العالمي، وايضا اخذ الاهتمام العلمي فى التزايد بدراسة ظاهرة النينيو والتذبذب الجنوبي بعد حدث النينيو القوي في الفترة 1982-1983.

 

لم تدخل هذه الظاهرة الوعي الشعبي العالمي إلا في تسعينيات القرن الماضي بعد سلسلة متسارعة من موجات النينيو، ولا سيما بعد الحلقة الكوميدية الشهيرة التي قدمها الفنان الراحل “كريس فارلي” في برنامج (Saturday Night Live) عام 1997، والتي حفرت اسم “النينيو” في الثقافة العامة.

مراحل دورة النينيو – التذبذب الجنوبي (ENSO Phases )

 

تَتَحرك هذه الدورة المناخية بمرونة بين ثلاث مراحل رئيسية متعاقبة كل بضع سنوات وتتشكل على النحو التالي:

1- المرحلة المحايدة (Neutral Phase) هي الحالة الطبيعية المستقرة للمحيط الهادئ الاستوائي، حيث تهب الرياح التجارية بانتظام من الشرق إلى الغرب مسببة تراكم المياه السطحية الدافئة في غرب المحيط الهادئ (قرب اسيا)، وصعود المياه الأكثر برودة إلى السطح في شرق المحيط الهادئ (قرب اميركا الجنوبية). وخلال هذه المرحلة تكون درجات حرارة سطح البحر مستقرة نسبياً.

2- المرحلة الدافئة: النينيو (El Niño)

خلال ظاهرة النينيو تضعف الرياح التجارية، وتَتَدفق المياه السطحية الدافئة في غرب المحيط الهادئ عائدةً نحو الشرق مما يتسبب في ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في شرق المحيط الهادئ. ويؤدي ذلك إلى تغيرات في حركة الغلاف الجوي وأنماط الطقس على مستوى العالم، مثل حدوث حالات جفاف في جنوب شرق آسيا وأستراليا، وظروف مناخية أكثر رطوبة (أمطار غزيرة) في غرب أمريكا الجنوبية.

3- المرحلة الباردة: لا نينيا (La Niña)

هى الصورة المعاكسة تمام لـ “النينيو” حيث تشتد الرياح التجارية خلال ظاهرة لا نينيا مما يَتسبب في تراكم المزيد من المياه الدافئة في غرب المحيط الهادئ، وصعود مكثف للمياه شديدة البرودة من الأعماق إلى سطح شرق المحيط الهادئ. ويؤدي هذا إلى انخفاض درجات حرارة سطح البحر في شرق المحيط الهادئ ويؤثر على حركة الغلاف الجوي وأنماط الطقس بشكل مختلف عما يحدث خلال مرحلة النينيو.

 

تأثيرات ظاهرة النينيو–التذبذب الجنوبي على إنتاج المحاصيل والأمن الغذائى

على الرغم من أن ظاهرة “النينيو” تنشأ في أعماق المحيط الهادئ إلا أن آثارها لا تقتصر على المناطق القريبة منه إذ تُعدّ في جوهرها صدمة هيكلية للاقتصاد العالمي. ويتجلى القلق الأكبر في تأثيراتها المباشرة على قطاعات إنتاج المحاصيل ومصايد الأسماك وتوليد الطاقة في وقت يواجه فيه العالم بالفعل ضغوطاً متزايدة.

 

تُسبب ظاهرة النينيو تغيرات في أنماط الطقس منها ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار في العديد من المناطق مما يؤدي إلى جفاف شديد. وتعتمد الزراعة بشكلٍ كبير على استقرار الظروف المناخية من أجل إنتاج غذائي مستدام.

 

وفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) فقد تأثر أكثر من 60 مليون شخص بتبعات هذه الظاهرة، ففي جنوب القارة الإفريقية على سبيل المثال عانت نحو 45% من المساحة المزروعة بمحصول الذرة الاستراتيجي من خسائر فادحة وتلفيات شديدة نتيجة موجات الجفاف المرتبطة بالنينيو.

 

ويمكن إجمال أبرز الآثار السلبية للجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو في النقاط التالية:

• تراجع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية:

 

تحد ظروف الجفاف الحاد من توافر المياه اللازمة لنمو النباتات وعملية التمثيل الضوئي. وتُعد المحاصيل الرئيسية (الأرز، والذرة، وفول الصويا) حساسة بشكلٍ خاص لنقص الرطوبة مما يؤدي إلى انخفاض حاد في إنتاجية وحدة المساحة، ويهدد دخل المزارعين المباشر والإمدادات الغذائية الوطنية.

 

• الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج الزراعي:

 

يضطر المزارعون إلى إنفاق مبالغ طائلة لإدارة المياه وإنقاذ المواسم الزراعية، وتشمل هذه النفقات الإضافية:

o تشغيل مضخات المياه الإضافية وشراء الوقود اللازم لها.

o حفر آبار ارتوازية جديدة أو البحث عن مصادر مياه بديلة مكلفة.

o إنشاء بنية تحتية مؤقتة وشبكات ري طارئة.

o زيادة نفقات التسميد ومكافحة الآفات التي تنشط في الأجواء الجافة والدافئة.

وتؤدي هذه النفقات المتزايدة إلى قفزة في إجمالي تكاليف الإنتاج، في وقت تظل فيه عوائد الحصاد النهائي غير مضمونة مما يضع المزارع الصغير تحت طائلة الديون.

 

تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة والأمن المائى المصرى

 

على الرغم من أن مصر تقع خارج النطاق الجغرافي المباشر لتقلبات المحيط الهادئ، إلا أن آثار ظاهرة “النينيو” تمتد إليها عبر مسارين رئيسيين يهددان الاستقرار الزراعي والمائي:

 

أولا: التأثير على إيراد نهر النيل (الأمن المائي)

 

أثبتت العديد من الدراسات العلمية المنشورة أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين ظاهرة النينيو وتراجع الأمطار فوق الهضبة الإثيوبية (التي تمد مصر بأكثر من 80% من احتياجاتها المائية)، ومما لاشك فيه أن تكرار الظاهرة يرفع من معدلات البخر في مجرى النيل ويزيد من احتمالية انخفاض فيضان النيل، مما يفرض ضغوطاً إضافية على إدارة مياه الري للأراضي الزراعية بمصر مما قد يضطر الدولة إلى تقليص مساحات المحاصيل الشرهة للمياه، ويمكن أن يؤدي الجفاف الناجم عن هذه الظاهرة إلى تلف المحاصيل أو انخفاض كبير في الإنتاج مما يُهدد المصدر الرئيسي لدخل المزارعين ويؤثر سلبا على الأمن الغذائى والإقتصاد المحلى.

 

ثانيا: تقلبات الطقس المحلي وتراجع انتاجية المحاصيل

 

ينعكس التغير في حركة الغلاف الجوي عالمياً على مناخ مصر المحلي عبر موجات حرارية غير معتادة وشتاء أكثر دفئاً. ويُعدّ هذا الأثر بالغ الخطورة على صغار المزارعين إذ تُؤدي الارتفاعات المفاجئة في درجات الحرارة إلى اختلال دورات نمو المحاصيل الاستراتيجية ومخاصيل التصدير، مما يتسبب في جفاف الثمار قبل اكتمال نموها، أو عدم ثبات العقد وتساقط الأزهار وتفشي الآفات الزراعية ومن ثم إنخفاض فى الإنتاجية وانخفاض جودة الإنتاج النهائي، وهو ما يُهدد مباشرة الدخل الرئيسي للفلاح والأمن الغذائي القومي.

 

آليات المواجهة: جهود وزارة الزراعة المصرية لدعم صغار المزارعين

 

في سياق التعامل مع التأثيرات المحتملة لظاهرة النينيو على القطاع الزراعي المصرى، تُطبق وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية حزمة من السياسات والإجراءات الاستباقية لحماية الاستثمارات الزراعية ودعم صغار المزارعين وتشمل:

• تطوير واستخدام أصناف مقاومة للجفاف: يُعدّ زراعة أصناف محاصيل أكثر تحملاً لظروف الجفاف من أكثر الطرق فعالية، إذ نجحت المعاهد التابعة لـ “مركز البحوث الزراعية” (مثل معهد بحوث المحاصيل الحقلية) في تطوير سلالات حديثة من الأرز على سبيل المثال قادرة على الإنتاج العالي في ظل محدودية المياه وقصر فترة النمو.

• التوسع في تكنولوجيا الري الحديث الموفر للمياه: تتبنى الدولة خطة قومية لتوفير ونشر نظم الري المطور (كالري بالتنقيط والرش) والممارسات الزراعية الحديثة (مثل الزراعة على مصاطب)، مما يضمن تحقيق أقصى كفاءة ممكنة لاستخدام المياه وتقليص الهدر إلى حدوده الدنيا.

• تعديل مواعيد الزراعة بناءً على المعطيات المناخية: غالباً ما تتطلب التغيرات المناخية الناجمة عن ظاهرة النينيو من المزارعين تعديل مواعيد زراعتهم من خلال الزراعة في وقت مبكر أو متأخر بناءً على التوقعات المناخية، يستطيع المزارعون تقليل مخاطر تعرض المحاصيل للجفاف الشديد خلال مراحل النمو الحرجة، حيث تساعد التوقعات الجوية وخدمات الإرشاد الزراعي في تحديد أنسب مواعيد الزراعة.

• تفعيل برامج ضمان الأسعار والتأمين الزراعي:إطلاق آليات للتعاقد المسبق (الزراعة التعاقدية) وضمان أسعار عادلة للمحاصيل الاستراتيجية، بجانب دراسة تفعيل صندوق التكافل الزراعي لحماية الفلاحين من مخاطر الخسائر المالية الناجمة عن الأحداث الجوية المتطرفة.

• منظومة الرصد والإنذار المبكر للظواهر الجوية المتطرفة حيث يلعب “مركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة” التابع لمركز البحوث الزراعية دوراً محورياً عبر إصدار توصيات وتحذيرات مناخية دورية واستباقية للمزارعين؛ مما يسهم بشكل فعال في تقليل الخسائر وتوجيه الفلاحين لكيفية التعامل مع الموجات الطارئة قبل حدوثها.

 

وفي الختام تُعدّ ظاهرة “النينيو” تحدياً مناخياً جسيماً يلقي بظلاله على استقرار الإنتاج الزراعي العالمي والمحلي نتيجة موجات الجفاف الطويلة وتقلبات الطقس الحادة. ومع ذلك فإن الحدّ من هذه الآثار يبقى ممكناً عبر التخطيط الزراعي الاستباقي وتبني ممارسات التكيف الذكية :مثل تحسين جودة التربة وتنويع التركيب المحصولي لدى المزارعين ورفع كفاءة إدارة المياه. ومما لا شك فيه أنه بدمج المعارف الزراعية المتوارثة مع التقنيات التكنولوجية الحديثة سيتمكن المزارعون من الحفاظ على استدامة واستقرار الإنتاجية وتأمين سبل عيشهم حتى في ظل أكثر الظروف المناخية صعوبة وتقلباً.

 

قائمة المراجع

• Alfani, F., Arslan, A., McCarthy, N., Cavatassi, R., & Sitko, N. (2021). Climate resilience in rural Zambia: Evaluating farmers’ response to El Niño-induced drought. Environment and Development Economics, 26 (5–6), 582–604.
• FAO Urges Swift Action as La Niña Threatens Global Food Security.
• World Meteorological Organization, El Niño/La Niña Update, May 2026

 

مقال 

ا.د/ عاصم عبد المنعم أحمد محمد

استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية

مركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة والنظم الخبيرة-

مركز البحوث الزراعية- وزارة الزراعة وإستصلاح الأراضى