مع تزايد الدعوات إلى ضرورة التوجه نحو الزراعة النظيفة، من خلال تقليل استخدام المواد الكيميائية التي تزايدت أخطارها، أصبح من الضروري البحث عن وسائل أكثر أمانًا على صحة الإنسان. وليس هذا فقط، فإن من أهم شروط تصدير منتجات الحاصلات الزراعية أن تكون خالية تمامًا من متبقيات المواد الكيميائية.
لذا، أصبح البحث عن وسائل بديلة أمرًا حتميًا، بما يفرض ضرورة إيجاد طرق للمكافحة لا تؤثر في صحة الإنسان، وتتيح تصدير المنتجات الزراعية بسهولة إلى الأسواق العالمية التي تفرض قيودًا صارمة في هذا الشأن.
وفكر الإنسان في استغلال عناصر التقدم التكنولوجي والاكتشافات العلمية الحديثة المتلاحقة، وبخاصة خلال العقدين الماضيين، وتوظيفها كأسلحة ضد الحشائش الضارة، بما ييسر مهمة مكافحتها ويحقق الهدف المنشود.
ومن بين هذه الأسلحة تقنيات تمكن من رصد تجمعات الحشائش في المساحات الشاسعة وتحديد أنواعها، وأخرى توضح مواقع الحشائش المغمورة تحت الماء دون اللجوء إلى الغوص في الأعماق، فضلًا عن استخدام أنواع مختلفة من الأشعة في مواجهة بعض الحشائش، وتطوير مبيدات الحشائش لتكون أكثر ملاءمة للغرض عند استخدامها، أو تطوير تقنيات تقلل من آثار المبيدات في البيئة، إلى جانب استنباتها وتحسين فاعلية مبيداتها، وغيرها من الوسائل.
الاستنبات الإجباري لبذور الحشائش
تحتوي التربة الزراعية على آلاف من بذور الحشائش الكامنة، التي تنتظر الظروف الملائمة للإنبات وظهور بادراتها فوق سطح التربة. وقد تنبت بعض هذه البذور خلال عام واحد من انفصالها عن الحشيشة الأم، بينما قد تظل كامنة في التربة لسنوات، وربما لأكثر من عقدين.
ولا تشكل هذه البذور خطرًا على المحصول النامي إلا إذا توافرت العوامل المواتية لإنباتها، كوجودها على عمق ملائم أو توافر درجة إضاءة معينة.
وينطبق ذلك على الحشائش التي تعتمد على نفسها في الحصول على الغذاء، حيث تستمد بعضه من التربة وتكوّن البعض الآخر من غازات الهواء الجوي. أما الحشائش الطفيلية، وهي التي تستمد غذاءها من النبات العائل عبر ممصات خاصة، فلا تستطيع بذورها التيقظ والإنبات إلا عند وجودها على مقربة من عائلها، حيث تتعرف إليه وتحس بوجوده من خلال لغة كيميائية خاصة يؤدي فيها النبات العائل دورًا في المبادأة بها. ولهذا، فمن الضروري وجود النبات العائل بالقرب من تلك البذور الكامنة.
وتبدو هذه العلاقة بوضوح، على سبيل المثال، بين حشيشة الهالوك ونباتي الفول والبسلة، وكذلك بين حشيشة العراف (Striga asiatica – Witchweed) ونباتات الذرة الشامية. ولهذا، فإن البذور الكامنة لأنواع الحشائش تشكل خطرًا موقوتًا يظهر عند توافر الظروف الملائمة، مع استمرار بقاء بذور تلك الحشائش حية حتى حلول هذه الظروف.
وتمثل ظاهرة كمون بذور الحشائش، أي «عدم إنبات البذور رغم بقائها حية»، والتي يبدو أن الحشائش تلجأ إليها كنوع من المراوغة والصمود لتنبت بذورها عند توافر الظروف التي تسمح بنمو طبيعي لنباتاتها، عقبة كؤودًا أمام برامج المكافحة؛ نظرًا لأن عددًا قليلًا من هذه البذور ينبت عادة خلال عام واحد، كما أن وسائل المكافحة التقليدية لا تتسبب عادة في قتل بذور الحشائش غير النابتة.
وفي سعي الإنسان إلى مكافحة الحشائش الخطيرة، اعتُبر استخدام منبهات الإنبات لإنضاب التربة من بذور الحشائش نقطة تحول كبرى في الحرب ضد تلك الأنواع الضارة. وتوصل الباحثون إلى بعض الوسائل للتغلب على ظاهرة الكمون لدى عدد من أنواع الحشائش، فعُرفت مركبات ليست قاتلة في جوهرها، بل على العكس، محفزة لبذور بعض أنواع الحشائش، وبخاصة الطفيلية، على الإنبات والظهور، بما يدفعها إلى الإنبات في التوقيت الذي يريده الإنسان.
ويبدو ذلك كضرب من ضروب الحرب الوقائية، من خلال إجهاض قدرة البذور على الإنبات في التوقيت الذي تختاره تلك البذور، والذي غالبًا ما يتوافق مع وجود المحصول المستزرع، وبالتالي تأمين المحصول من شرها وخطرها قبل ظهورها واستفحال ضررها.
وفي هذا السياق، ظهر أن الإيثيلين، أحد الهرمونات النباتية المعروفة، يستطيع محاكاة تأثير المنبه المنطلق من النبات العائل، وأنه قادر على تحفيز إنبات بذور مجموعة متباينة من أنواع الحشائش الضارة، وذلك بعد أن تبين أن هذا الهرمون ينتج طبيعيًا في كثير من أنواع التربة بتركيزات كافية لتحفيز بذور الحشائش على الإنبات.
وقد استُغل ذلك من خلال الإنتاج التجاري لهذا الهرمون، وأصبح أداة مهمة في مكافحة حشيشة العراف الطفيلية في الولايات المتحدة، من خلال دوره في تحفيز بذور هذه الحشيشة المدمرة على الإنبات وخفض أعدادها الكامنة في التربة. ويُعامل هذا الهرمون قبل زراعة الذرة الشامية، ما يؤدي في النهاية إلى موت البادرات المنبثقة للحشيشة لغياب عائلها.
وتبين أن استخدامه بمعدل 1.7 كيلوجرام لكل هكتار تسبب في خفض البذور الكامنة لتلك الحشيشة بنسبة 90% في حقول الذرة المصابة بها في ولايتي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا.
الطاقة الشمسية
يُعد استغلال السبل الطبيعية التي تعتمد على بخار الماء أو الهواء الساخن من الطرق الفعالة في السيطرة على نمو الحشائش الضارة. ويُطلق تعبير «تشميس التربة» (Soil Solarization) على الاستخدام الموجّه للطاقة الشمسية في التربة.
وفي هذه الطريقة، تُشمّس التربة المجهزة للزراعة عقب ترطيبها بالماء بدرجة كافية، بحيث تتجاوز الرطوبة 70%، وذلك بتغطيتها بطبقة أو أكثر من رقائق البولي إيثيلين الشفاف، الذي يتراوح سمكه عادة بين 40 و50 ميكرونًا، والمعالج ضد الإشعاع الشمسي.
وتتم التغطية عادة لمدة تتراوح بين شهر وشهر ونصف خلال فصل الصيف، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة التربة بنحو 7 درجات مئوية في التربة الطينية، وبنحو 15 درجة مئوية في الأراضي الرملية، مقارنة بدرجة حرارة الجو العادية، وذلك على عمق 15 سنتيمترًا.
ويُعتبر تشميس التربة مناسبًا للمساحات الصغيرة والكبيرة، باستخدام البلاستيك الشفاف المذكور، الذي يمكن وضعه يدويًا أو باستخدام الآلات. وتوضح النتائج المتحصل عليها في أماكن مختلفة من العالم أن هذه الطريقة فعالة في مكافحة عدد من آفات التربة المختلفة، مثل الفطريات والنيماتودا والحشائش، إلى جانب بعض أطوار الآفات الحشرية الموجودة في التربة.
وتشميس التربة في جوهره عملية حرارية، حيث تمتص التربة الرطبة إشعاع الشمس أسفل البلاستيك الشفاف. وقد ثبت أن التشميس عملية معقدة تتضمن تأثيرات حيوية (Biotic) وغير حيوية (Abiotic).
وتؤثر هذه المعاملة في التربة، فتحدث تغيرات ملحوظة في أعداد الكائنات الحية الدقيقة، ومن بينها الكائنات الممرضة، فتخفض أعدادها بدرجة كبيرة، كما تسهم في القضاء على أنواع عديدة من الحشائش، مثل معظم الحوليات عريضة وضيقة الأوراق، باستثناء حشيشتي السعد والنجيل، فضلًا عن تأثيرها الكبير في حشيشة الهالوك.
كما تزيد المعاملة من النشاط البيولوجي لبعض الكائنات الدقيقة المفيدة التي تعمل على إتاحة العناصر الغذائية وتيسير امتصاصها، مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم والكالسيوم والماغنيسيوم، وكذلك الأمونيوم والنترات للنبات. كما تغير في بناء التربة وتركيبها، فتزيد من محتواها من المادة العضوية، ويساعد على ذلك نشاط بكتيريا الباسيلس (Bacillus spp.) التي يشجعها التشميس، ويؤدي ذلك مجتمعًا إلى تحسين نمو المحصول المنزرع وتطوره.
وفي هذا المجال، طرحت إحدى الشركات اليابانية في أسواقها خلال الأعوام الأخيرة غطاءً مبتكرًا لتشميس التربة مصنوعًا من السيليكون، يتميز بقدرته على نفاذ الماء إلى التربة، ويمنع في الوقت نفسه نمو بذور الحشائش بصورة نهائية، الأمر الذي يُتوقع معه حدوث تطور كبير في هذه التقنية.
ويوصي العلماء بإيلاء طريقة تشميس التربة مزيدًا من الاهتمام، نظرًا إلى أن الآفات أصبحت تمثل خطورة على المزروعات، خاصة مع زيادة الطلب على الغذاء وانتشار الزراعة الكثيفة. كما أن إنتاج أصناف مقاومة للآفات أمر بالغ الصعوبة ويحتاج إلى وقت، في حين أن استخدام المبيدات بأنواعها المختلفة مكلف، وله عادة آثار سلبية على البيئة، وقد لا يكون متاحًا إلا في بعض البلدان.
اقرأ أيضا
الاتجاهات الحديثة في مكافحة الحشائش.. إليكم التفاصيل
للمزبد.. يمكنكم متابعة صفحة بوابة مصر الزراعية عبر الفيس بوك.