بعد سنوات من العمل المتواصل بين الأشجار، لم يكن الحاج سيد أبو طالب ينتظر مجرد موسم حصاد جديد، بل كان ينتظر اللحظة التي يرى فيها ثمار جهده تتحول إلى زيت زيتون عالي الجودة يحمل قصة تعبٍ امتدت لسنوات.
ومع بداية دخول الأشجار مرحلة الإنتاج، وجد نفسه أمام سؤال مصيري: أي معصرة يختار؟
كانت الآراء تتدفق من كل اتجاه. موردو المعاصر يعرضون مزايا أجهزتهم، وأصحاب المشروعات يروون تجاربهم، والجيران ينصحون بما يعرفونه، لكن كثرة الآراء لم تحسم
القرار، بل زادت الحيرة.
فالرجل لم يدخر جهدًا في رعاية مزرعته، وحرص على تطبيق أفضل الممارسات الزراعية، بدءًا من اختيار الأصناف المناسبة مرورًا بالتسميد والري والتقليم، وصولًا إلى توقيت الحصاد المثالي. وكان يدرك أن نجاح كل هذه المراحل قد يتأثر في الساعات الأخيرة داخل المعصرة، حيث تتحول الثمار إلى زيت.
لذلك طلب مني زيارة المزرعة ومناقشة الأمر بعيدًا عن الدعاية التجارية والكلمات المنمقة، بحثًا عن إجابة تستند إلى العلم والخبرة لا إلى التسويق.
ماذا تقول الخبرة؟
في صناعة زيت الزيتون، لا تتوقف جودة المنتج عند جودة الثمار فقط، بل تمتد إلى كفاءة عملية الاستخلاص نفسها. فكلما ارتفعت كفاءة المعصرة انخفضت كمية الزيت المتبقية في الجفت، وارتفع العائد الاقتصادي للمزارع.
وعبر تاريخ صناعة الزيت، اعتمدت المعاصر التقليدية على نظام المكابس، حيث يتم استخلاص الزيت بواسطة الضغط الميكانيكي. ورغم دورها التاريخي الكبير، فإنها تترك عادة كميات أكبر من الزيت داخل الجفت مقارنة بالتقنيات الحديثة.
أما معاصر الطرد المركزي، فقد أحدثت نقلة نوعية في القطاع، إذ تعتمد على قوة الطرد المركزي لفصل الزيت عن الماء والمواد الصلبة، ما يرفع كفاءة الاستخلاص ويحسن جودة الزيت الناتج ويقلل الفاقد إلى أدنى الحدود الممكنة.
ولهذا أصبحت المعاصر الحديثة الخيار المفضل لمعظم المستثمرين ومنتجي زيت الزيتون الباحثين عن أعلى كفاءة وأفضل جودة.
كيف تختار المعصرة المناسبة؟
اختيار المعصرة ليس قرارًا عشوائيًا، بل عملية فنية يجب أن تستند إلى عدة معايير أساسية، أهمها:
* أن تتناسب الطاقة الإنتاجية للمعصرة مع حجم محصول المزرعة خلال موسم الحصاد.
* أن تكون القدرة الفعلية للتشغيل قريبة من القدرة النظرية المعلنة.
* انخفاض نسبة الزيت المفقود في مخلفات العصر.
* كفاءة وحدات الطحن والعجن والفصل.
* التحكم الدقيق في درجات الحرارة أثناء التشغيل.
* سهولة التشغيل والصيانة وتوافر قطع الغيار.
ومن بين الأنظمة الحديثة، يوصي كثير من المتخصصين بمعاصر الطرد المركزي ذات النظام ثنائي الطور (2 Phase)، لما تتميز به من تقليل إضافة المياه أثناء عملية الاستخلاص، وهو ما يساعد على الحفاظ على نسبة أعلى من المركبات الفينولية المسؤولة عن القيمة الغذائية والخصائص الحسية المميزة لزيت الزيتون البكر الممتاز.
أسرار رفع كفاءة الاستخلاص
حتى أفضل المعاصر لن تحقق النتائج المرجوة إذا لم تُدار بالشكل الصحيح. ولذلك ينصح الخبراء بالتركيز على:
* ضبط حرارة العجين داخل العجانات في حدود العصر البارد، والتي تتراوح غالبًا بين 28 و32 درجة مئوية.
* تقليل زمن العجن بما يحقق التوازن بين الكفاءة والجودة.
* استخدام تقنيات الطرد المركزي الحديثة لتقليل الفاقد.
* تحسين عملية تكسير الثمار واختيار الغرابيل المناسبة لكل صنف.
* الاهتمام بنظافة خطوط الإنتاج لمنع الأكسدة والتلوث.
السؤال الذي مازال معلقًا
بعد نقاش طويل استمر لساعات، نظر إليّ الحاج سيد أبو طالب مبتسمًا وقال:
“يعني بعد كل هذا الكلام… تنصحني أشتري أي معصرة؟”
ابتسمت بدوري، لأن الإجابة ليست بهذه البساطة. فاختيار المعصرة لا يعتمد فقط على نوع الجهاز، بل على حجم المشروع، والأصناف المزروعة، والطاقة الإنتاجية المستهدفة، ومستوى الجودة المطلوب تحقيقه.
ولذلك، تبقى الإجابة الكاملة مؤجلة إلى جلسة أخرى مع الحاج سيد، نتناول فيها أحدث ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا في استخلاص زيت الزيتون البكر الممتاز، وكيف يمكن للمزارع أن يوازن بين جودة الزيت والعائد الاقتصادي ليحقق أقصى استفادة من محصوله.
مقال
م/ ياسين حمدي
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية– جامعة الاسكندرية