انتشرت في الآونة الأخيرة ممارسة مقلقة تتمثل في استخدام مسحوق أبيض مجهول الهوية، يُعرف محلياً بأسماء شعبية مثل “المسّة”، “النفاخ”، أو يُباع خطأً على أنه “خميرة فورية”، كإضافة لتحسين خصائص العجين في الخبز (مثل العيش الشمسي) والمخبوزات الأخرى. من خلال التحليل الكيميائي، يتبين أن هذه المادة هي مركب برومات البوتاسيوم (Potassium bromate)، ذو الصيغة الكيميائية KBrO_3. وعلى عكس ما يُعتقد بأنها مادة آمنة أو “سر من أسرار جودة الخبز”، فإن هذه المادة تُعد من المضافات الغذائية شديدة الخطورة والتي تم حظرها عالمياً في معظم دول العالم لأسباب تتعلق بالصحة العامة.
ما هو برومات البوتاسيوم وكيف يعمل؟
برومات البوتاسيوم هو عامل مؤكسد (Oxidizing agent) قوي. يُضاف إلى الدقيق لتقوية الروابط الببتيدية في شبكة الجلوتين (Gluten network) داخل العجين، مما يسمح للخبز بالاحتفاظ بالمزيد من الغازات أثناء التخمر، وبالتالي زيادة حجم الرغيف بشكل مصطنع (“نفخ العجين”) وتحسين مظهره الخارجي وهشاشته.
نظرياً، يُفترض أن يتحلل هذا المركب بالكامل أثناء عملية الخبز تحت درجات الحرارة العالية ليتحول إلى “بروميد البوتاسيوم” الآمن نسبياً. ولكن، في الممارسات العشوائية—خاصة عند شرائه كـ “بودرة مجهولة” وبدون معايير قياس دقيقة—يتم إضافة كميات تفوق الحد المسموح به، أو لا يتعرض الخبز للحرارة الكافية، مما يؤدي إلى بقاء مسارات من برومات البوتاسيوم غير المتفاعلة في المادة الغذائية النهائية، وتنتقل مباشرة إلى جسم الإنسان.
المخاطر الصحية المدعومة بالأدلة العلمية
إن التهاون في استخدام هذه المادة ليس مجرد غش تجاري، بل هو تهديد مباشر للصحة العامة، حيث تشمل مخاطرها:
الاحتمالية المسرطنة (Carcinogenicity):
قامت الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC)، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، بتصنيف مركب KBrO_3 ضمن المجموعة (Group 2B)، أي أنه “مادة يُحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان”. وقد أثبتت الدراسات المخبرية أن التعرض المستمر لهذه المادة يؤدي إلى أورام في الخلايا الكلوية وخلايا الغدة الدرقية.
السميّة الكلوية (Nephrotoxicity):
تُشير الأبحاث الطبية إلى أن تراكم برومات البوتاسيوم في الجسم يُحدث تلفاً في الأنابيب الكلوية، وقد يؤدي إلى الفشل الكلوي الحاد والمزمن.
التأثير على الجهاز العصبي (Neurotoxicity):
الجرعات العالية أو المستمرة يمكن أن تسبب اضطرابات عصبية، ومشاكل في السمع، بالإضافة إلى اضطرابات الجهاز الهضمي.
خطورة الاستخدام العشوائي في المنازل والمخابز
تكمن المصيبة الأكبر في أن هذه المادة تتسلل إلى موائدنا عبر منتجات يومية أساسية. هي لا تقتصر على “العيش الشمسي” فحسب، بل تمتد لتشمل أي عجين يتطلب زيادة سريعة في الحجم مثل البيتزا، الفينو، البسكويت، وبعض الحلويات.
البيع العشوائي لهذه المادة كـ “بودرة سايبة”—بدون عبوة توضح المكونات، أو الشركة المصنعة، أو الجرعات الآمنة—يُعد كارثة رقابية. المستهلك يضع مادة كيميائية حارقة ومسرطنة في طعام أطفاله اليومي ظناً منه أنها مجرد “محسّن أو خميرة”.
التوصيات والخلاصة
الأمراض المستعصية التي نلاحظ زيادة انتشارها مؤخراً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما يدخل بطوننا، وخاصة الإضافات الكيميائية غير المنظمة في الوجبات الأساسية كالخبز.
للمستهلك وربات البيوت: أي مسحوق أبيض مجهول المصدر يُباع لتحسين العجين يجب التخلص منه فوراً. الخبز المُعد بالطرق الطبيعية (باستخدام فطر الخميرة الآمن Saccharomyces\ cerevisiae) قد لا يكون بنفس الحجم المفتعل، لكنه آمن وصحي مئة بالمئة.
للمجتمع: التوعية واجبة؛ صحة الأسرة لا يجب أن تكون ثمناً لرغيف خبز منتفخ شكلياً وفارغ غذائياً ومُشبع بالسموم.
المصادر والمراجع العلمية:
الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC): دراسات تقييم المخاطر المسرطنة للمواد الكيميائية على الإنسان، المجلد 73 (1999)، والذي يُصنف برومات البوتاسيوم كمادة (2B).
لجنة الخبراء المشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية (JECFA): التقرير الفني الذي خَلُص إلى أن استخدام برومات البوتاسيوم كعامل معالجة للدقيق غير مناسب ويجب وقفه.
دراسات السموم الكلوية (Toxicology Studies): أبحاث منشورة في المجلات الطبية حول التأثير السام للبرومات على الكلى وتسببها في الإجهاد التأكسدي لخلايا الجسم.
هيئات سلامة الغذاء العالمية والمحلية: قرارات الحظر الرسمية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، وكندا، ومعظم الدول العربية التي تمنع استخدام هذه المادة في الأغذية نهائياً.
إعداد
الأستاذ الدكتور مجدى السماحى
أستاذ النانوتكنولوجي ووقاية النباتات بمركز البحوث الزراعية
وكيل محطة البحوث الزراعية بسخا السابق
رئيس فرع الإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بكفر الشيخ
عضو لجنة أخلاقيات البحث العلمي بجامعة كفر الشيخ
مدرب معتمد لتدريب المدربين بالمجلس الأعلى للجامعات









